في اليوم الأخير من عام 2025، يختتم الاقتصاد السوداني عاماً جديداً من الضغوط غير المسبوقة، مع استمرار النزاع المسلح واتساع رقعة النزوح وتراجع قيمة العملة المحلية بصورة حادة. ويبلغ سعر الدولار في السوق الموازي نحو 3,750 جنيهاً، مقارنة بـ 2,590 جنيهاً في مثل هذا الوقت من العام الماضي، وما يقرب من 560 جنيهاً عند اندلاع الحرب في عام 2023، وفق رصد يومي لحركة السوق.
هذا المسار يعكس اقتصاداً يعمل تحت ظروف طارئة، حيث تداخلت تداعيات الحرب مع ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة عالمياً، ما جعل إدارة السياسات المالية والنقدية أكثر تعقيداً. ومع نهاية ديسمبر، تُظهر بيانات السوق استقراراً اسمياً لسعر الصرف عند مستويات مرتفعة تاريخياً، في ظل تراجع القوة الشرائية للجنيه وتراجع دوره كوسيلة موثوقة للتسعير والادخار.
وتشير المعطيات إلى اتساع الفجوة بين سعري البيع والشراء وارتفاع مماثل في أسعار العملات الخليجية والأوروبية، في وقت يتزايد فيه الطلب الموسمي على النقد الأجنبي مع اقتراب شهر رمضان والأعياد. ويعكس هذا الواقع محدودية قدرة البنوك على توفير العملات الصعبة واستمرار اعتماد السوق على القنوات الموازية لتحديد الأسعار.
بالتوازي، تذكر تقارير أممية حديثة أن السودان يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية عالمياً. فقد ارتفع عدد النازحين إلى نحو 14 مليون شخص، بينما يُقدّر عدد من يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي بأكثر من 21 مليوناً. كما أدى النزاع إلى تعطّل واسع للخدمات الأساسية، لا سيما في ولايات دارفور وكردفان، وتراجع النشاط الاقتصادي المحلي لصالح اقتصاد طوارئ يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات.
وفي القطاع الصحي، تحذر منظمات الإغاثة من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة بتضرر المرافق الصحية، وهو ما ينعكس سلباً على رأس المال البشري ويقلل من فرص التعافي الاقتصادي على المدى المتوسط.
على مستوى معيشة الأسر، تتواصل الضغوط مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسب تفوق في أحيان كثيرة وتيرة تراجع العملة، نتيجة تكاليف النقل والتمويل والمخاطر. كما أدى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي إلى زيادة حالة عدم اليقين لدى المستوردين، الذين يلجأ كثيرون منهم إلى التسعير وفق توقعات مستقبلية، بما يعمق الضغوط التضخمية. في المقابل، أسهم تراجع تحويلات المغتربين، وضعف الموسم الزراعي، وتراجع عائدات الصادرات المعدنية في تقليص تدفقات النقد الأجنبي.
اقتصاديون يحذرون كذلك من أن تمويل العجز عبر التوسع في إصدار العملة دون وجود احتياطيات كافية من النقد الأجنبي قد يرفع مستويات التضخم ويضعف الثقة بالعملة، فيما يعقّد توسع الاقتصاد غير الرسمي — ومن ضمنه تجارة الذهب والتهريب — قدرة السياسات النقدية على تحقيق الاستقرار.
وتشير تقديرات السوق إلى أن احتمال تجاوز الدولار مستوى 5,000 جنيه خلال العام المقبل يظل قائماً إذا استمرت العوامل الحالية دون تغيير، مع بقاء قدرة السلطات على احتواء الضغوط مرهونة بالتطورات السياسية والأمنية وبمدى استعادة المؤسسات الاقتصادية لحد أدنى من الاستقرار.
ومع اختتام عام 2025، يواجه السودان تحديات مركّبة تتطلب معالجة متزامنة للجوانب الإنسانية والإنتاجية والمالية، ضمن رؤية شاملة تعيد الثقة وتنعش مسارات التجارة والإنتاج، في انتظار تحولات قد تحدد اتجاه الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة.

