سجّل سعر الصرف الرسمي في السودان تحركاً ملحوظاً خلال هذا الأسبوع، في تطور يعكس الضغوط المتزايدة التي تواجه القطاع المصرفي والبيئة الاقتصادية بشكل عام. وأعلن بنك أم درمان الوطني رفع سعر بيع الدولار إلى 3627 جنيهاً، في خطوة تُعد من أكبر التعديلات الرسمية منذ اندلاع الحرب في عام 2023، بعد فترة طويلة من الاستقرار النسبي عند حدود 2589 جنيهاً.
ويشير هذا التحرك إلى اقتراب السعر الرسمي من مستويات السوق الموازي، بعد أشهر من فجوة واسعة بين الجانبين. ورغم أن النظام النقدي في السودان يعمل نظرياً وفق آلية التعويم منذ عام 2021، إلا أن هذا التعديل يُنظر إليه على أنه مؤشر لاحتمال توجه بنوك أخرى لإعادة تسعير العملات الأجنبية، في ظل شح السيولة ونقص المعروض من النقد الأجنبي.
في المقابل، واصلت أسعار العملات في السوق الموازي التداول عند مستويات مرتفعة. حيث بلغ سعر الدولار نحو 3750 جنيهاً للبيع و3665 جنيهاً للشراء، بينما استقر الريال السعودي حول 1000 جنيه، وسجّل الدرهم الإماراتي قرابة 1021.8 جنيهاً، فيما تجاوز اليورو مستوى 4411 جنيهاً. وعلى الرغم من حالة الهدوء النسبي خلال اليوم، يرى متعاملون أن هذا الاستقرار قد يكون مؤقتاً، مع توقعات بزيادة الطلب خلال الفترة المقبلة.
وتعكس الفجوة بين أسعار الشراء والبيع، إضافة إلى التباين بين السوق الرسمي والموازي، اختلالاً مستمراً في ميزان العرض والطلب على العملات الأجنبية. ومع إعادة فتح بعض المطارات وعودة النشاط التجاري بشكل جزئي، يتوقع متعاملون زيادة الطلب على الدولار خلال الأسابيع القادمة.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، فقد الجنيه السوداني أكثر من 85% من قيمته، إذ ارتفع سعر الدولار من نحو 560 جنيهاً في أبريل 2023 إلى قرابة 3750 جنيهاً حالياً. وتشير تقارير دولية إلى انكماش اقتصادي حاد، تجاوز الثلث خلال عام واحد، مع توقعات باستمرار التراجع الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات مرتفعة.
وتأتي هذه التطورات في ظل تضخم مرتفع، وتراجع في سلاسل الإمداد، وانخفاض الإنتاج الزراعي والصناعي، إلى جانب تراجع الصادرات وتحويلات المغتربين، ما قلّص من تدفقات النقد الأجنبي إلى البلاد. كما حذّر محللون من أن استمرار تمويل العجز عبر التوسع النقدي قد يزيد من الضغوط على العملة، خاصة مع الإعلان عن طرح فئات نقدية جديدة.
ويرى مراقبون أن خطوة بنك أم درمان الوطني تعكس محاولة لمجاراة السوق الموازي وتقليص الفجوة السعرية، لكنها في الوقت نفسه قد تكرّس مستويات سعرية أعلى مما اعتاد عليه السوق خلال العامين الماضيين. وتشير تقديرات غير رسمية إلى احتمال استمرار الضغوط على الجنيه خلال الربع الأول من عام 2026، في حال استمرت الظروف الحالية وارتفع الطلب الموسمي على السلع المستوردة.
وتبقى الفترة المقبلة محورية لمتابعة ردود فعل بقية البنوك، واتجاهات السوق الموازي، وتأثير التطورات الاقتصادية والأمنية على حركة سعر الصرف، في ظل ترقّب المتعاملين لأي مؤشرات قد تحدد مسار العملة خلال الأشهر القادمة.

