في خضم حالة الارتباك السياسي والتصريحات المتناقضة الصادرة عن المسؤولين السودانيين، كشف الكاتب الصحفي عثمان ميرغني في مقال تحليلي تفاصيل لقاء جمعه بمستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسعد بولس، في مقر السفارة الأميركية بالقاهرة، تناول فيه الطرفان تطورات ملف الهدنة الإنسانية في السودان، وسط إنكار حكومي متواصل لأي مفاوضات مع قوات الدعم السريع.
أوضح ميرغني أن اللقاء الذي جمعه بـ مسعد بولس أعاد إلى الأذهان لقاءات سابقة أجراها مع المبعوث الأميركي السابق تيم بريلو، مؤكداً أن بولس اتسم بالحوار الهادئ والصريح وتجنّب الأسئلة الحساسة بطريقة دبلوماسية.
وخلال اللقاء، طرح ميرغني سؤالاً محورياً حول موقف الجيش السوداني من مقترح الهدنة الإنسانية الذي قدمته الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر)، في محاولة لتوضيح حقيقة الموقف الرسمي في ظل تضارب الخطاب الحكومي بين التصعيد العسكري والانفتاح السياسي.
أشار ميرغني إلى أن الحكومة السودانية أرسلت وفداً رسمياً إلى واشنطن برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم يضم طاقماً تفاوضياً عسكرياً، بينما روج الإعلام الرسمي لأن الزيارة “لا علاقة لها بملف الحرب”، بل تندرج ضمن حوار ثنائي مع واشنطن.
لكن الكاتب وصف هذا الموقف بـ “العناد السياسي”، مشيراً إلى أنه سرعان ما انهار أمام ظهور مقاطع مصوّرة لوفد الدعم السريع في العاصمة الأميركية، إلى جانب تقارير أميركية تؤكد وجود مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين عبر الوسيط الأميركي.
قال ميرغني إن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أصدر توجيهات داخلية تنفي وجود أي مفاوضات مع الطرف الآخر، مؤكداً أن الخيار العسكري هو الطريق الوحيد لإنهاء الحرب.
لكن في المقابل، كشف مسعد بولس خلال لقائه بالكاتب أن الموافقة المبدئية على الهدنة الإنسانية قد تمت بالفعل، وأن الأطراف تناقش حالياً الترتيبات الفنية المتعلقة بآليات المراقبة والتنفيذ، مشيراً إلى أن الوساطة الأميركية قدمت ورقة تفاهم أعدتها الآلية الرباعية استناداً إلى بيانها الصادر في 12 سبتمبر الماضي.
رغم نفي بولس وجود مفاوضات مباشرة، أشار ميرغني إلى أن هذا الإنكار يعكس مطلباً حكومياً سودانياً يهدف إلى الحفاظ على الصورة السياسية داخلياً، حيث ترغب السلطات في تجنب الاعتراف الرسمي بالتفاوض في الوقت الذي تواصل فيه حملاتها العسكرية ضد الدعم السريع.
وطرح الكاتب تساؤلات حول أسباب تخوف الحكومة من استخدام كلمة “مفاوضات”، رغم أنها شاركت سابقاً في منابر تفاوضية بجدة والمنامة، متسائلاً عن الجهات التي قد يسبب لها هذا الاعتراف حرجاً سياسياً أو رمزياً، في ظل الخطاب الرسمي الذي يؤكد رفض أي تسوية لا تقوم على الحسم العسكري.
يبرز مقال عثمان ميرغني ملامح ازدواجية واضحة في الموقف الرسمي السوداني بين ما يُعلن في الخطاب السياسي وما يجري فعلياً في كواليس الدبلوماسية، حيث تستمر اللقاءات غير المعلنة بالتوازي مع التصريحات المتشددة.
ويرى مراقبون أن هذه السياسة المزدوجة تعكس محاولة للموازنة بين ضغوط الداخل والرعاة الدوليين، في وقت تبدو فيه الهدنة الإنسانية الخيار الأكثر واقعية لتخفيف الكارثة الإنسانية التي تتفاقم في السودان يوماً بعد يوم.

