أثار الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية في السودان، وسط انتقادات اعتبرت الطرح «مكرراً» و«منفصلاً عن الواقع الميداني».
الصحفي السوداني عثمان ميرغني وصف الخطاب بأنه لم يقدّم جديداً، معتبراً أن المبادرة التي طرحها إدريس لوقف الحرب «مضيعة للوقت»، لأنها – بحسب رأيه – تعيد إنتاج مقترحات سبق طرحها ورفضها من قبل.
وخلال كلمته، عرض إدريس مبادرة تتضمن وقف إطلاق النار، وانسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها، ونزع سلاحها وإعادة دمج المقاتلين وتأهيلهم، إضافة إلى تسهيل عودة النازحين، وإطلاق حوار سوداني داخلي حول التحول الديمقراطي وتحقيق عدالة شاملة.
غير أن مراقبين رأوا أن هذه البنود تتطابق إلى حد بعيد مع مبادرات سابقة قدّمها الجيش وقائده عبد الفتاح البرهان ومسؤولون حكوميون آخرون، مؤكدين أن تلك الطروحات فشلت سابقاً لأنها لا تنسجم مع موازين القوى على الأرض، في ظل سيطرة قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من البلاد.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، واجهت المبادرة انتقادات حادة، حيث اعتبر مستخدمون أن الحديث عن انسحاب كامل لقوات الدعم السريع ونزع سلاحها «غير واقعي»، بينما رأى آخرون أن الخطاب لا يختلف عن تصريحات رسمية تكررت منذ اندلاع الحرب دون أن تغيّر مسارها.
وذهب بعض المعلقين إلى أن المبادرة تتجاهل الواقع الميداني وتعقيدات الصراع، ولا تحمل أي أدوات تنفيذية أو ضمانات يمكن أن تجعلها قابلة للتطبيق.
تزامن الجدل مع إعلان الولايات المتحدة منح الأطراف المتحاربة مهلة عشرة أيام للتوصل إلى هدنة إنسانية مع مطلع العام الجديد. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الهدف هو وقف القتال قبل بداية العام، مشيراً إلى اتصالات مكثفة مع السعودية و**الإمارات** و**مصر**، بالتنسيق مع المملكة المتحدة، لدفع الأطراف نحو اتفاق يسمح بتوسيع عمليات الإغاثة.
روبيو عبّر عن قلقه من تقارير تتحدث عن استهداف قوافل إنسانية، مؤكداً أن الطرفين أخفقا في الالتزام بتعهداتهما السابقة.
وفي السياق نفسه، أفاد مصدر سوداني مطلع أن البرهان تلقى خلال زيارته الأخيرة إلى الرياض دعوة عاجلة للالتزام بخريطة الطريق التي وضعتها الآلية الرباعية، موضحاً أنه طلب مهلة أسبوع للتشاور مع حلفائه قبل الرد.
وأشار المصدر إلى أن المقترح المطروح يتوافق مع الخطة التي تعمل عليها الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، وأن تصريحات روبيو جاءت في هذا الإطار، بالتزامن مع جولة قام بها مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، شملت الرياض وأبوظبي والقاهرة.
وبحسب المصدر، فإن تصريحات البرهان الأخيرة تمثل تحولاً نسبياً في موقف الحكومة السودانية، التي كانت قد رفضت في وقت سابق مقترح الآلية الرباعية لوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، فيما جددت دول الرباعية التزامها بالسعي إلى تسوية سياسية متفاوض عليها.
وبين انتقادات الداخل وضغوط الخارج، يبقى خطاب إدريس – كما يرى كثيرون – حلقة جديدة في سلسلة مبادرات لم تنجح بعد في كسر الجمود أو إيقاف الحرب، في انتظار ما ستسفر عنه التحركات الدولية خلال الأيام المقبلة.

