أثار قرار بنك السودان المركزي بتشديد إجراءات تحصيل الديون المتعثرة موجة من الجدل والانتقادات، في وقت يمر فيه الاقتصاد السوداني بواحدة من أصعب مراحله نتيجة تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
وبحسب التوجيهات الجديدة، ألزم البنك المركزي المصارف بتفعيل إدارات التحصيل، واتخاذ إجراءات قانونية ضد المتعثرين، بما في ذلك تسييل الضمانات أو حيازتها، إلى جانب تقديم تقارير شهرية توضح مستوى التقدم في معالجة الديون المتعثرة. وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي السلطات لاستعادة قدر من الانضباط المالي وتقليل الخسائر التي تكبدها القطاع المصرفي خلال الفترة الماضية.
انتقادات من القطاع الخاص
في المقابل، واجه القرار انتقادات حادة من قبل رجال أعمال ومزارعين وشركات إنتاج، الذين اعتبروا أن هذه الإجراءات لا تراعي الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب. وأشاروا إلى أن العديد من الأنشطة الاقتصادية تعرضت لدمار واسع ونهب، ما يجعل الوفاء بالالتزامات المالية أمراً بالغ الصعوبة في المرحلة الحالية.
ويرى متعاملون في القطاع الخاص أن تصنيف العملاء كمتعثرين والشروع في تسييل أصولهم قد يؤدي إلى فقدان ما تبقى من القاعدة الإنتاجية، خاصة في ظل تقديرات تشير إلى خسائر بمليارات الدولارات في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات.
دعوات لإعادة هيكلة الديون
وفي هذا السياق، برزت دعوات لتبني مقاربة أكثر مرونة، تقوم على إعادة هيكلة الديون بدلاً من اللجوء إلى إجراءات قسرية. وتشمل المقترحات تشكيل لجنة مشتركة تضم البنك المركزي والمصارف والقطاع الخاص وخبراء اقتصاديين، بهدف الوصول إلى حلول توافقية تأخذ في الاعتبار طبيعة الأزمة الحالية كصدمة اقتصادية شاملة.
كما دعا مراقبون إلى الاستفادة من تجارب دولية في إدارة التعثر في الاقتصادات الخارجة من النزاعات، بما يساعد على تحقيق توازن بين حماية النظام المصرفي واستمرار النشاط الاقتصادي.
مخاوف من آثار عكسية
وحذّرت جهات سياسية واقتصادية من أن تشديد سياسات التحصيل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها تعميق الركود الاقتصادي، وتسريع خروج الشركات الصغيرة والمتوسطة من السوق، ما قد يضعف فرص التعافي في المستقبل.
وتشير التقديرات إلى أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من قيمة تمويلاتها نتيجة تدهور العملة وتعطل النشاط التجاري، في حين يواجه القطاع الخاص صعوبات كبيرة في إعادة تشغيل أعماله، ما يعكس حالة من التوازن الهش بين طرفين متضررين من الأزمة.
معضلة بين الاستقرار المالي والتعافي الاقتصادي
تعكس هذه التطورات معضلة معقدة في الاقتصاد السوداني، حيث تسعى البنوك إلى الحد من خسائرها والحفاظ على استقرارها، بينما يحتاج القطاع الإنتاجي إلى مساحة للتعافي واستعادة نشاطه.
ويرى مراقبون أن مستقبل العلاقة بين الطرفين سيعتمد على قدرة الجهات المعنية على صياغة إطار متوازن لإدارة الديون المتعثرة، يراعي حجم الضرر الذي لحق بالاقتصاد، ويمنح الشركات فرصة للعودة التدريجية إلى العمل، دون الإضرار باستقرار النظام المصرفي.

