في خطوة مفاجئة تعكس تداعيات التطورات العسكرية الأخيرة في السودان، أوقفت السلطات المحلية في مدينة الدبة بولاية الشمالية استخراج تصاريح شحن البضائع المتجهة إلى إقليم دارفور، وذلك بعد يوم واحد فقط من سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع، آخر معاقل الجيش السوداني في الإقليم.
بحسب تجار تحدثوا، صدر القرار في 27 أكتوبر، ما أدى إلى ارتباك واسع في الأسواق المحلية، خاصة أن الدبة تُعد المركز التجاري الأهم لشحن السلع الغذائية والبضائع إلى ولايات دارفور.
وقال احد المواطنين، وهو تاجر من الضعين، إن القرار “جاء دون سابق إنذار”، مضيفاً أن السلطات “كانت تسمح سابقاً بالشحن حتى بعد سيطرة الدعم السريع على مدينة النهود في غرب كردفان”.
أكد أصحاب وكالات نقل أن السلطات في الدبة أوقفت شحن جميع أنواع السلع والمواد الغذائية إلى ولايات دارفور وكردفان الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، دون استثناء لأي نوع من البضائع.
هذا القرار أدى إلى شلل شبه تام في حركة الشحن نحو الإقليم، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعاً حاداً في الطلب على السلع الأساسية مثل الدقيق، والزيوت، والسكر، والوقود.
أوضح تجار من محلية اللعيت بولاية شمال دارفور أن بعض التجار بدأوا باستخدام طرق غير رسمية عبر التهريب من مدينة الدبة مروراً بـ غبيش في غرب كردفان، التي أصبحت مركزاً بديلاً للتجارة غير النظامية نحو دارفور.
وأشاروا إلى أن هذه التحركات أدت إلى نشوء سوق موازي للبضائع المهربة، مما يزيد من مخاطر أمنية واقتصادية، ويعقّد جهود ضبط الإمدادات في ظل غياب الرقابة الرسمية.
يرى مراقبون أن وقف الشحن من الدبة سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع داخل دارفور، خاصة المنتجات القادمة من شمال وشرق السودان، بما في ذلك الواردات المصرية وبضائع ميناء بورتسودان.
ويُتوقع أن تتجاوز الزيادة في الأسعار 50% لبعض السلع الأساسية، ما سيزيد من تدهور الوضع المعيشي للسكان، الذين يعانون بالفعل من ندرة الغذاء وتراجع الدخل بفعل الحرب الممتدة منذ عامين ونصف.
يأتي هذا القرار في ظل إجراءات اقتصادية متبادلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث كانت الأخيرة قد أعلنت في أكتوبر 2024 منع مرور المنتجات الزراعية والحيوانية والمعادن من مناطق سيطرتها في غرب السودان إلى المناطق الخاضعة للجيش في الشمال والشرق.
ويشير محللون إلى أن هذا التجاذب الاقتصادي أصبح سلاحاً موازياً للحرب العسكرية، إذ تستخدم كل جهة القيود التجارية كأداة ضغط، ما يعمّق الأزمة المعيشية والإنسانية في البلاد.
يمثل قرار إيقاف الشحن من الدبة إلى دارفور ضربة جديدة للاقتصاد الداخلي السوداني، ويكشف هشاشة شبكات الإمداد في ظل الانقسام الجغرافي والعسكري.
ومع استمرار الحرب، يزداد خطر تحول الاقتصاد السوداني إلى اقتصاد ظل قائم على التهريب والمقايضة، في غياب أي بوادر لعودة الاستقرار أو استئناف النشاط التجاري المنظم بين ولايات البلاد.

