شهدت مدينة بورتسودان خلال الأيام الماضية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، حيث عقدت الأمم المتحدة سلسلة من الاجتماعات مع مسؤولي الحكومتين السودانية والمصرية في محاولة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية لملايين المحتاجين في السودان، في وقت تواصل فيه الحكومة تجاهل مقترح هدنة الثلاثة أشهر الذي طرحته دول الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات) لإنهاء القتال وفتح الممرات الإنسانية.
شارك في الاجتماعات وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، إلى جانب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر. وناقش اللقاء الثلاثي العقبات التي تواجه العمليات الإنسانية، خاصة بعد تدهور الأوضاع في ولايات دارفور وكردفان إثر دخول قوات الدعم السريع إلى مدينة الفاشر، وما تبعه من نزوح واسع للسكان بسبب أعمال القتل والعنف.
وأكد وزير الخارجية السوداني أن الرباعية ليست جهة دولية رسمية لأنها لم تُنشأ بقرار من مجلس الأمن، مشيراً إلى أن المباحثات تطرقت كذلك إلى أوضاع النازحين في مناطق الدبة وطويلة وبابنوسة وكادوقلي والدلنج.
في لقاء منفصل، جدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان حرص السودان على التعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية، مؤكداً ضرورة أن تراعي المنظمة سيادة السودان ومصالحه القومية، مشيراً إلى “الفظائع والانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر”.
من جانبه، قال توم فليتشر إن الأزمة الإنسانية في السودان بلغت مستوى خطيراً، لافتاً إلى أن مجلس الأمن الدولي ناقش مؤخراً الوضع في البلاد وأعرب عن صدمته من حجم الانتهاكات ضد المدنيين. وأكد التزام الأمم المتحدة بمواصلة دعم السودان من خلال توفير الغذاء والأدوية المنقذة للحياة، واصفاً لقاءه بالبرهان بأنه كان “مثمراً وبناءً”.
وفي سياق متصل، التقى البرهان أيضاً نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارلوس كاو، حيث بحث الجانبان آليات دعم عمليات الإغاثة داخل السودان. وأكد كاو أن البرنامج يعمل حالياً على إيصال المساعدات لما يقارب خمسة ملايين سوداني شهرياً، مشيراً إلى أن أنشطته توسعت مؤخراً لتشمل مناطق كادوقلي وأجزاء من الخرطوم، حيث يتم تقديم الدعم لحوالي مليون شخص شهرياً.
كما أوضح المسؤول الأممي أن البرنامج يدرس إطلاق استثمارات إضافية لدعم المزارعين محدودي ومتوسطي الدخل، وتعزيز سلاسل الإمداد الغذائي لتحسين الوصول إلى الأسواق المحلية، بما يسهم في دعم الاقتصاد السوداني وتقليل الاعتماد على المساعدات الطارئة.
ورغم هذا الزخم الدبلوماسي والإنساني، يلاحظ المراقبون أن الحكومة السودانية لا تزال تتجاهل مقترح الهدنة الإنسانية، في حين تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية متفاقمة، مع استمرار القتال وصعوبة الوصول إلى ملايين المتضررين في مناطق النزاع.
ويُتوقع أن تستمر اللقاءات الأممية في بورتسودان خلال الأيام المقبلة في محاولة للضغط من أجل تسهيل عمليات الإغاثة وتجنب انهيار شامل للجهود الإنسانية داخل السودان.

