أثار خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، في الذكرى المئوية لتأسيس الجيش، نقاشاً واسعاً حول تفسير بيان مجلس الأمن الدولي الأخير بشأن إعلان الحكومة الموازية التي أعلنها تحالف “تأسيس”. ففي حين اعتبر البرهان أن البيان يمثل انتصاراً سياسياً للجيش، يرى مراقبون أن نص البيان تضمن إشارات واضحة بضرورة انسحاب المؤسسة العسكرية من المشهد السياسي وتهيئة المجال أمام قيادة مدنية لإدارة البلاد
البيان الأممي صدر بعد إعلان “تأسيس” حكومة موازية في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وحمل رسائل فسرتها الأطراف المتنازعة كلٌ وفق رؤيته. فبينما قرأته قيادات الجيش باعتباره دعماً لوحدة السودان ورفضاً للحكومات الموازية، شددت قوى سياسية على أن البيان لم يمنح أفضلية لأي طرف، بل وضع إطاراً عاماً لحل سياسي شامل يقوم على وقف الحرب والانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي.
البيان دعا صراحة إلى استئناف المحادثات بين الجيش وقوات الدعم السريع، والوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية سياسية تقود إلى حكومة وطنية منتخبة. وهو ما تراه قوى مدنية تأكيداً على أن الحل العسكري غير ممكن، وأن تسوية الأزمة تقتضي إبعاد الجيش والجماعات المسلحة عن السلطة وتسليمها إلى المدنيين.
الجيش حاول توظيف البيان لإثبات شرعيته السياسية، متجاهلاً أن مجلس الأمن شدد على رفض استمرار الحرب أو أي ترتيبات قد تؤدي إلى تقسيم البلاد. كما أن البيان لم يمنح المؤسسة العسكرية تفويضاً دائماً، بل أشار إلى ضرورة إنهاء دورها السياسي بعد اتفاق شامل.
في المقابل، قد ترى قوات الدعم السريع أن البيان لم يدن بشكل مباشر إعلان الحكومة الموازية، بل ركّز على وحدة السودان، وهو ما يتوافق مع تصريحات قادتها بأن الحكومة الموازية تهدف لتقديم نموذج سياسي بديل يحافظ على وحدة البلاد.
على المستوى الدولي، تقود الولايات المتحدة مساعي لإحياء العملية السياسية بعد تعثر اجتماع اللجنة الرباعية (مصر، السعودية، الإمارات، والولايات المتحدة) في واشنطن بسبب خلافات حول آليات التعامل مع الأزمة. دخول مجلس الأمن على خط الأزمة اعتُبر محاولة لفرض مسار تسوية شامل يمنع تفوق أي طرف عسكرياً وتحويله إلى مكسب سياسي.
تزامن ذلك مع اشتداد المعارك في مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور، حيث تخوض القوات المسلحة قتالاً عنيفاً ضد قوات الدعم السريع المدعومة من مجموعات مسلحة، وسط تقارير عن تحركات لقوات الحركة الشعبية/جناح عبد العزيز الحلو نحو شمال دارفور. نتيجة هذه المعركة قد تعيد رسم موازين القوى، إذ أن سقوط الفاشر بيد الدعم السريع يعني سيطرتها على دارفور وأجزاء من كردفان، فيما يمنح الجيش انتصار هناك أفضلية استراتيجية لتحالف “تأسيس”.
بيان مجلس الأمن جاء في توقيت حساس بهدف كبح التصعيد العسكري ومنع ترجمة المكاسب الميدانية إلى أوراق سياسية. كما وجه رسالة واضحة للقوى الإقليمية والدولية بعدم دعم أي مسار يقود إلى تقسيم السودان.
في هذا السياق، تبدو الفرصة سانحة أمام القوى المدنية، وعلى رأسها تحالف “صمود”، للانخراط بفاعلية أكبر في العملية السياسية. فالمجتمع الدولي، وإن لم يعلن ذلك صراحة، يبحث عن طرف مدني قادر على تحمّل المسؤولية بعيداً عن الأجندات العسكرية التي ظلت تحكم المشهد منذ اندلاع الحرب.