في خطوة لافتة تعكس حرص الحكومة الانتقالية على إصلاح أحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد، وجّه رئيس الوزراء السوداني، الدكتور كامل إدريس، بإجراء مراجعة شاملة للقرارات والسياسات المرتبطة بقطاع التعليم العالي والبحث العلمي، وذلك خلال اجتماع موسع خُصص لمناقشة التحديات التي تواجه هذا القطاع، وأكد رئيس الوزراء أن تطوير التعليم العالي ليس خياراً بل ضرورة وطنية لتحقيق التنمية المستدامة والنهضة الشاملة، مشدداً على أهمية إعادة تقييم البرامج التعليمية والمناهج والمراكز التابعة للقطاع بما يخدم مصالح الطلاب ويواكب المتغيرات المحلية والعالمية.
وفي سياق متصل، شدد إدريس على ضرورة استعادة الوضع الطبيعي للمراكز الجامعية السودانية بالخارج، مشيراً إلى أهمية إعادة تفعيل دورها كمنصات تعليمية داعمة للطلاب السودانيين في المهجر، وبوصفها أدوات حيوية في تعزيز العلاقات الأكاديمية الدولية، ووجّه رئيس الوزراء بفتح باب التسجيل للدفعات الجديدة من حاملي الشهادة السودانية للعامين 2023 و2024 في هذه المراكز، بما يضمن استمرارية العملية التعليمية للطلاب المتأثرين بظروف الحرب وعدم الاستقرار.
ضمن جهود إعادة ترتيب أوضاع مؤسسات التعليم، أعاد إدريس التأكيد على أهمية تنفيذ القرار السابق القاضي بعودة الجامعات تدريجياً إلى مقارها الأصلية في العاصمة القومية، بعد أن اضطرت إلى التهجير أو التوقف بسبب النزاع المسلح، وأوضح أن العودة التدريجية لا تعني فقط إعادة المباني، بل تتطلب خططاً مدروسة تشمل إعادة تأهيل الكوادر، وتوفير بيئة تعليمية آمنة، وتحديث البنى التحتية لاستيعاب الطلاب من مختلف ولايات السودان.
وفي ختام توجيهاته، حث رئيس الوزراء إدارات الجامعات والمعاهد العليا على بذل أقصى الجهود لإعادة الطلاب السودانيين من الخارج، وتسهيل اندماجهم مجدداً في النظام التعليمي المحلي، واعتبر أن استئناف الدراسة وعودة الحياة إلى الحرم الجامعي يمثلان خطوة مفصلية في طريق استقرار البلاد واستعادة الثقة في المؤسسات الوطنية.
تأتي هذه التوجيهات في وقت يعاني فيه قطاع التعليم العالي من اضطرابات كبيرة، نتيجة الأوضاع الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب المستمرة منذ أكثر من عام، فقد أغلقت العديد من الجامعات أبوابها، ونزح عشرات الآلاف من الطلاب والأساتذة، فيما واجهت المراكز الجامعية في الخارج تحديات في التمويل والإدارة والتواصل مع السلطات المركزية، ورغم هذه التحديات، ترى الحكومة الحالية أن إصلاح التعليم العالي يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو التعافي الوطني، من خلال إعداد كوادر جديدة قادرة على المساهمة في إعادة بناء الدولة.
تدل توجيهات الدكتور كامل إدريس على وجود إرادة سياسية واضحة لإعادة الاعتبار للتعليم العالي في السودان، باعتباره ركيزة أساسية لبناء مستقبل أفضل، ومع ذلك، تبقى فعالية هذه التوجيهات مرهونة بسرعة التنفيذ، وتعاون جميع الأطراف، وتوفير الموارد اللازمة لتجاوز العقبات القائمة، في سبيل إعادة الحياة إلى الجامعات السودانية داخل وخارج البلاد.