مقدمة :-
في لحظات التحول الكبرى، تنكشف المعادن. ويبدو أن المعادن التي حملتها الحركات المسلحة القادمة من الهامش، كانت أقلّ من طموح الهامش، وأشدّ نذالة من معاناة أهله.
ففي مشهد يعجّ بالخذلان، يقف السوداني اليوم أمام حقيقة مُرّة: أن من دخلوا إلى الخرطوم بفضل رجلٍ مدّ لهم اليد، ودفع بهم إلى موائد الدولة، وفتح لهم قاعات التفاوض بعد سنوات من التشرّد، قد انقلبوا عليه أول من انفتح أمامهم باب الغنيمة.
في خضمّ المأساة السودانية التي أعادت تشكيل الجغرافيا والدم، برزت الحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق جوبا ، أو ما يُعرف اختصاراً ب”المشتركة”،كأحد أكثر الفاعلين إثارة للغضب والأسى معاً،لا بسبب قوتها، بل بسبب خفتها، وازدواجها، وسقوطها الأخلاقي والسياسي المدوي.
جماعات حملت السلاح يوماً باسم الهامش، ثم ألقت به عند أعتاب القصر، ثم حملته من جديد لا لتحمي الشعب، بل لتحمي امتيازاتها في سوق المناصب.
ولم تكن هذه الجماعات لتبلغ بوابات الخرطوم، لولا رجل واحد فقط:
محمد حمدان دقلو “حميدتي” الذي لقبوه قادة الجيش حينها ب”رجل السلام “
اولاً : حميدتي… بوابة الخرطوم لمن كانوا يختبئون كالفئران:-
لم يكن محمد حمدان دقلو “حميدتي”مجرد قائد عسكري في ميزان القوى السودانية، بل كان صانع مشهد جديد.
هو من ألزم الجميع على توقيع اتفاق جوبا للسلام، وهو من رعى دمج الحركات المسلحة، وفتح لها طريق العودة من الجبال التي تآكلت فيها كالفراء المعزولة إلى قلب العاصمة، والمشهد، والسلطة.
لا يخدعنا التاريخ:
هؤلاء لم يعودوا إلى المركز بثقلهم، بل بفضل حميدتي، الذي اختار إدماجهم في اتفاق جوبا، حين كانوا محاصرين في الجبال، مشردين في الهوامش، يعانون الإفلاس السياسي واللوجستي وهذا الكلام قالوه بافواههم في احدى التسريبات .
هو من فرض وجودهم في التفاوض،
وهو من منحهم مساحة على طاولة الحكم،
وهو من جلبهم من “الخارج”إلى “الداخل”،من “الهامش”إلى “القصر”.
لكنهم، وبمجرد أن ثبتت أقدامهم في الوزارات، طعنوه.
لا لأنه غدر بهم، بل لأنهم لم يحتملوا أن يكونوا شركاء حقيقيين، فقد ظنّوا أنهم ملوكٌ مؤقتون في غفلة من الزمن.
ثانياً : من خيانة الرجل إلى خيانة الوطن:-
حين اندلعت الحرب في أبريل 2023، تناسوا أن الرجل الذي قاتلوه هو ذاته من صنعهم سياسياً،وانضموا للجيش، لا لأنهم اقتنعوا بالمؤسسة، بل لأنهم ظنّوا أن النصر سيكون سريعاً ، وأن مقاعد السلطة ستُعاد توزيعها مجدداً على حساب من رفعهم أصلاً.
جلسوا معه بالأمس، وقاتلوه اليوم.
شيطنوه في الإعلام، ونفّذوا عمليات ميدانية ضد قواته، بل رفعوا شعارات “المشروعية العسكرية”ليتوسلوا البقاء في المشهد.
وخلال ذلك كله، لم يرفّ لهم جفنٌ أمام المجازر التي وقعت على أهلهم في دارفور وكردفان .
صمتوا، وربما باركوا.
فما قيمة الإنسان إن كان “الكرسي”هو المعبد؟
ثالثاً : تسوّل سياسي علني… باسم “الحوار”:-
وها هم اليوم، بعد أن لفظهم الجيش، وبدأ المؤتمر الوطني فعلياً في ركلهم خارج المركب السياسي بصمت وحزم،
خرجوا في مؤتمر صحفي علني، ليقولوا ،دون حياء ،إنهم “لا يمانعون في الحوار مع الدعم السريع”.
يا للسخرية.
قاتلوا حميدتي،طعنوه،وشككوا في وطنيته،
ثم، حين فشلوا في اصطياد المناصب، وخرجوا من بورصة السلطة خاسرين كلياً،
قرروا أن يطلبوا الجلوس معه من جديد، كما يفعل من أضاع كل شيء ويبحث عن مأوى سياسي ولو في أحضان من خانوه.
وهنا لا نرى تحولاً استراتيجياً ، بل نرى تسوّلاً سياسياً بوجه وقح،
وليس من “باب الحكمة”،بل من نافذة الذلّ والانكسار.
رابعاً : مصيرهم؟ طردٌ من كل الجهات:-
الحقيقة اليوم أن هؤلاء أصبحوا عبئاً على كل طرف:-
•الجيش: استخدمهم، ثم أدرك أنهم غير جديرين بالثقة.
•الدعم السريع: لا يثق فيمن خذله في ساعة الحقيقة.
•المؤتمر الوطني: عاد إلى الساحة ولا يرى فيهم سوى بقايا حطب محترق.
•الشعب: لفظهم من ذاكرته ودفنهم في صمت الهزيمة.
وهكذا، يُغلق الباب،
• لا من طرف حميدتي،
• ولا من طرف الجيش،
بل من كل الجهات.
ولأن الخيانة لا يُعوّل عليها، بدأ المؤتمر الوطني، الذي عاد من ظلمات المشهد، بهدوء وحنكة، في لفظهم الواحد تلو الآخر.
•من يُطبل له اليوم، يُقصيه غداً.
•ومن قاتل في حربه، لا مكان له في دولته.
لقد استُهلكت الحركات المسلحة سياسياً وعسكرياً،وما عادت صالحة إلا كشماعة مؤقتة قبل أن يُلقى بها إلى الظل.
وها هي التعيينات، والخطابات، وتصريحات الضباط، كلها تُعلن شيئاً واحداً:
انتهت صلاحيتكم
خاتمة: من لا وفاء له، لا بقاء له (“المشتركة” إلى مذبلة التاريخ):-
إن ما قامت به هذه الحركات ليس اختلافاً سياسياً ،بل خيانة ثلاثية الأبعاد:
•خانوا من أدخلهم الخرطوم،
•خانوا أهلهم الذين قاتلوا باسمهم،
•وخانوا السودان حين وضعوا مصالحهم الشخصية فوق دماء الملايين.
واليوم، ها هم يُطردون من كل المعادلات، لا بالرصاص، بل بالنسيان السياسي، وهو أقسى أنواع العقاب.
خرجوا من الجبال كالفئران… و سيدخلوها اليوم بلا مجد، بلا قضية، بلا مستقبل هذا ان استطاعوا دخولها اساساً بعد إعلان حكومة “تأسيس “.
فهل كان يستحق الهامش هذا التمثيل الفاضح؟
وهل تبرأ دارفور من هؤلاء الذين تاجروا بدمها كي يكتبوا أسماءهم على بوابات الوزارات؟
الإجابة: نعم.
التاريخ لا يحمي الخونة.
والسودان لا يُبنى بأدوات الخسة.
هكذا تُكتب النهاية العادلة،
لمن ظنّوا أن الوطن سلعة… وأن الذاكرة الشعبية لا تحتفظ بالخونة
✍🏻سهيلة التهامي