في خطوة مُفاجئة ومُحمّلة بالدلالات، أعلن المصباح أبو زيد طلحة في ٢٧ يوليو ٢٠٢٥، قائد كتيبة البراء بن مالك، انسحابه من العمليات العسكرية وتفرغه الكامل للعمل المدني. لكن هذا الإعلان، الذي جاء محاطاً بعبارات الصلح والإعمار، لا يمكن أن يُقرأ ببساطة كعلامة نُضج أو توبة وطنية، بل يجب تفكيكه ك مناورة سياسية متقنة، تُخفي تحتها رغبة جامحة في العودة إلى السلطة، لا إلى الشعب.
اولاً : من أشعل النار لا يصنع المطر:-
إنّ كتيبة البراء، التي تأسست على أيدي عناصر الإسلاميين المتشددين والتي في الأصل هي كتائب الظل التي تحدث عنها علي عثمان محمد طه وهدّد بها الشعب مراراً و تكراراً ، كانت من أوائل الفصائل التي أطلقت شرارة الحرب الكبرى في السودان سنة 2023، وشاركت إلى جانب الجيش في معارك طاحنة، لا سيّما في الخرطوم والجزيرة، وأُتهمت مراراً بارتكاب انتهاكات مروعة بحق المدنيين، من الاعتقالات التعسفية، إلى استخدام الطائرات المسيّرة في أحياء مكتظة بالسكان و اغتصابات .
فهل يُمكن لمن كان جزءاً أصيلاً في ماكينة الحرب، أن يتحول فجأة إلى حمامة سلام؟
وهل يكفي أن يتلو بياناً رقيقاً ليُمسح عنه دم الأبرياء الذين قضوا في حملاته”الجهادية” ؟
ثانياً : ما وراء العمل المدني (السلطة كهدف لا كواجب): –
قرار المصباح لا يُمكن قراءته كتحوّل أخلاقي صرف، بل هو بالأحرى تموضع براغماتي محسوب، بعد أن تكشّفت مآلات الحرب، وخسرت الكتائب الإسلامية رصيدها العسكري والشعبي، بل وواجهت عزلة إقليمية و دولية خانقة.
إن”العمل المدني”هنا، ليس طريقاً نحو المصالحة، بل سُلّم عودة إلى الدولة. عودة تُراهن على ذاكرة منقوصة للشعب، وعلى هشاشة المرحلة الانتقالية، وعلى صمت العدالة.
فأن يتحول قائدٌ ميليشياوي إلى فاعل مدني دون محاسبة، يُمثّل ضرباً للعدالة في صميمها، وانقلاباً على فكرة الدولة التي يُفترض أن تقوم على الحق والقصاص قبل التوظيف والإشراك.
ثالثاً : الدولة ليست غنيمة….ولا ذاكرة الناس ممحاة:-
إن من يسعون اليوم إلى”العمل المدني”بعد أن تلطخت أياديهم بالبارود والدم، لا يُمكن أن يُستقبلوا بزهور الخطابات، بل بصرامة العدالة الانتقالية. فالمدنية ليست مجرّد خيام تنموية ولا مؤتمرات علاقات عامة، بل مسؤولية أخلاقية، ومواجهة مع الذاكرة الجماعية التي لم تنسَ بعد:
من أحرق القرى وأعدم الأطفال بدمٍ بارد؟
من صوّر الحرب “فتحاً مبيناً “و “حرب كرامة” وحوّل الشوارع إلى جبهات عقائدية؟
من زرع الفتنة، ثم جاء يرتدي قناع البناء؟
المصباح، في خطوته الأخيرة، يحاول أن يُدوّن نفسه كفاعل سلام، دون أن يمر على لحظة الحساب. لكن الشعوب التي اكتوت، لا تسامح بهذه السهولة. لا بد من التذكير دوماً أن الدم لا يُغسل بالتنمية، ولا تُمحى الجريمة بإنشاء منظمة مدنية.
رابعاً : الدولة القادمة… لا مكان فيها للقتلة المتنكرين:-
نحن اليوم في لحظة مفصلية: إما أن نُبقي على وهم أن جميع القتلة يمكن إعادة تدويرهم في الحياة العامة، أو نرسم خطاً نارياً فاصلاً بين من دمّر، ومن يستحق أن يبني.
وإذا لم تُوضع قواعد صارمة للعدالة الانتقالية، وإذا لم يُحاكم المصباح ورجاله على الجرائم الموثقة، فإن الباب سيُفتح لعودة كلّ من تلطخت أيديهم، وسيُصبح العمل المدني حائطاً يختبئ خلفه السفّاحون.
خاتمة: ما يُبنى على العفو قبل الحقيقة… يهدم:-
ليست المدنية مجرّد حالة خطابية، ولا خياراً سياسياً، بل هي مسار عدالة تاريخية. وإذا كانت كتيبة البراء تُريد حقاً التوبة، فعليها أن تبدأ من المحاكم لا من الميكروفونات، ومن لجان الحقيقة لا من اللافتات وان تتم محاسبتهم على كل صغيرة وكبيرة.
أما أن يُعاد تدوير القادة الميدانيين ك”فاعلي خير”، فذلك هو الموت البطيء لفكرة السودان الجديد
✍🏻️سماح التجاني