هل تعيق شروط الجيش السوداني مساعي الوساطة الدولية؟

3 Min Read

تعكس التصريحات الأخيرة لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان محاولة لإعادة تعريف موقع المؤسسة العسكرية في سياق الأزمة السودانية، ليس فقط بوصفها طرفًا في نزاع مسلح، بل باعتبارها – وفق طرحه – الضامن الأساسي لاستمرار الدولة في ظل ما يصفه بتآكل مؤسساتها. وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية لتزامنها مع تصاعد الجهود الدولية الرامية إلى التوصل لوقف إطلاق النار، في وقت يشدد فيه البرهان على أن أي هدنة لا تستند إلى شروط محددة قد تتحول إلى توقف مؤقت للقتال دون معالجة جذور الصراع.

يقدّم البرهان رؤية للحرب تتجاوز توصيفها كمواجهة عسكرية مباشرة، واضعًا إياها في إطار أوسع يمس قضايا السيادة ووحدة الدولة ومستقبل النظام السياسي في السودان. ويصف المرحلة الراهنة بأنها مفصلية في تاريخ البلاد، معتبرًا أن مخرجاتها ستحدد شكل الدولة لعقود مقبلة، ومؤكدًا أن أولوية الجيش – بحسب تعبيره – تتمثل في الحفاظ على وحدة السودان ومنع قيام مراكز قوى موازية خارج إطار الدولة.

ويربط البرهان موقفه الرافض لوقف إطلاق النار غير المشروط بقناعة، وأن أي تسوية لا تنهي هذا الوضع ستُبقي البلاد في حالة عدم استقرار. ويشدد على أن انسحاب القوات من المناطق التي سيطرت عليها، وتجريدها من الأسلحة الثقيلة، وإنهاء أي سلطة عسكرية خارج المؤسسة الرسمية، تُعد شروطًا أساسية لا يمكن تجاوزها من وجهة نظره. ويرى أن تجاهل هذه الشروط سيؤدي إلى هدنة مؤقتة لا تعالج أسباب النزاع.

وفي محاولة لتوسيع طرحه خارج الإطار العسكري، يتناول البرهان الأبعاد الإنسانية للحرب، مشيرًا إلى ما خلفته من نزوح واسع ودمار في البنية التحتية وتعطل للخدمات الأساسية. ويؤكد أن معالجة هذه التداعيات تتطلب تعاونًا دوليًا، لكنه في الوقت نفسه يرفض أي حلول يراها مفروضة من الخارج، داعيًا إلى مسار «سوداني-سوداني» ينطلق من أولويات داخلية.

وتأتي هذه المواقف منسجمة مع تصريحات سابقة للبرهان رفض فيها مبادرات دولية، من بينها مقترحات اللجنة الرباعية، معتبراً أن بعض الأوراق المطروحة لا تحقق – من وجهة نظره – مبدأ سيادة الدولة أو توازن الأطراف. ويؤكد في هذا السياق أن أي وقف لإطلاق النار لا يتضمن انسحابًا كاملاً وتجريدًا للسلاح سيظل إجراءً مؤقتًا.

ويطرح البرهان رؤية للمرحلة المقبلة تقوم على إعادة بناء جيش وطني موحد، مهني وغير منخرط في العمل السياسي، تمهيدًا – كما يقول – لمسار تحول ديمقراطي ينتهي بانتخابات حرة بعد فرض سيادة القانون. غير أن هذه الرؤية، بما تتضمنه من شروط، تواجه انتقادات من قوى سياسية ومدنية ترى أنها تضع سقفًا مرتفعًا للتفاوض، وقد تعرقل جهود الوساطة الإقليمية والدولية، بما في ذلك تلك التي تقودها الآلية الرباعية ومنظمة «إيغاد».

وفي المحصلة، تكشف مواقف البرهان عن تعقيد المشهد السوداني، حيث تتداخل اعتبارات السيادة مع واقع عسكري متغير، وتتصارع الأطراف حول تعريف الشرعية وحدودها. وفي ظل غياب مسار تفاوضي قادر على تجاوز هذه التناقضات، يبقى مستقبل الحرب والسلام في السودان مرهونًا بقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على إعادة صياغة إطار سياسي يوازن بين متطلبات إنهاء القتال وإعادة بناء الدولة.

Share This Article