السلطة السودانية توظّف ملف البحر الأحمر في مساعٍ دبلوماسية لإحياء منبر جدة

5 Min Read

شهدت الأيام الماضية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً مرتبطاً بالملف السوداني، تزامن مع زيارات واتصالات إقليمية ودولية متقاطعة، عكست تعقيدات المشهد السياسي والأمني في البلاد، ولا سيما ما يتصل بالحرب المستمرة ومسارات البحث عن تسوية سياسية.

وشملت هذه التحركات زيارات لمسؤولين من الخط الملاحي الإيراني إلى مدينة بورتسودان، إلى جانب زيارة مسؤول سعودي رفيع، فضلاً عن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان إلى الرياض، حيث التقى مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية، مسعد بولس. كما تزامن ذلك مع زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى المملكة العربية السعودية، وإجراء اتصال هاتفي بين وزيري خارجية مصر والسعودية.

ويرى مراقبون أن هذا النشاط الدبلوماسي يعكس تشابك الملفات الإقليمية المرتبطة بالسودان، خصوصاً قضايا الحرب والسلام، والجهود الرامية إلى التوصل إلى هدنة إنسانية، والانخراط في مسار سياسي يعيد الحكم المدني.

بالتوازي مع هذه التحركات، برز ملف أمن البحر الأحمر كأحد المحاور الرئيسية في النقاشات الإقليمية، خاصة في ظل الزيارة الإيرانية إلى بورتسودان، وما رافقها من حديث عن محاولات الخرطوم استخدام هذا الملف كورقة تفاوضية مع دول الخليج والولايات المتحدة، عبر التلويح بعلاقات مع أطراف دولية مثل إيران وروسيا.

ويقول الصحفي والباحث في الشؤون الإفريقية خالد محمد طه إن إقليم البحر الأحمر يشهد في الأسابيع الأخيرة حراكاً سياسياً ودبلوماسياً لافتاً، تتقاطع فيه قضايا الأمن البحري، والحرب في السودان، وإعادة التموضع الإقليمي في ظل تصاعد الاستقطاب الدولي. ويرى أن هذا المشهد يثير تساؤلات حول إعادة رسم ملامح الأمن في البحر الأحمر، ومدى تأثير ذلك على أولويات الاقتصاد والاستثمار في المنطقة.

ويشير طه إلى أن تتابع الزيارات والاتصالات يجعل من الصعب فصل أي تحرك عن الآخر، لافتاً إلى أن زيارة الوفد الإيراني أعقبتها مباشرة سلسلة من اللقاءات الإقليمية رفيعة المستوى، ما يعكس، بحسب تقديره، قلقاً إقليمياً من أي تغيير محتمل في موازين النفوذ بالبحر الأحمر، خاصة مع دخول أطراف غير تقليدية إلى المشهد.

ويرى أن المنطقة باتت تشهد تحوّلاً تدريجياً، حيث تتقدم الاعتبارات الأمنية على ملفات التنمية والاستثمار، مع تصاعد الاهتمام بضبط أمن الممرات البحرية الحيوية.

ويعتبر طه أن المملكة العربية السعودية، بوصفها الفاعل الأبرز على الضفة الغربية للبحر الأحمر، تنظر إلى أي تحولات في الضفة الإفريقية، لا سيما في السودان وإريتريا، باعتبارها مسألة ترتبط مباشرة بأمنها القومي. ومن هذا المنطلق، يقرأ زيارة الرئيس الإريتري إلى الرياض والتنسيق مع القاهرة في إطار سعي إقليمي لضبط التوازنات ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع بالوكالة.

ويضيف أن سعي السودان لتقديم نفسه كشريك محوري في أمن البحر الأحمر قد يعزز موقعه التفاوضي، لكنه يظل محفوفاً بالمخاطر إذا لم يترافق مع أفق سياسي واضح لإنهاء الحرب الداخلية.

وفي ما يتعلق بإمكانية إعادة إحياء منبر جدة أو إدماجه ضمن الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، يرى طه أن كثافة الاتصالات تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا المسار. ويشير إلى وجود توجه سعودي–مصري لإعادة الإمساك بالملف السوداني من زاوية تربط بين وقف الحرب وأمن البحر الأحمر وضبط التدخلات الإقليمية.

ويؤكد أن نجاح أي مبادرة سيظل مرهوناً بمدى استعداد الأطراف السودانية للانخراط الجاد في العملية السياسية، وليس الاكتفاء بالمناورات التكتيكية.

من جانبه، يرى مدير مشروع الفكر الديمقراطي ورئيس تحرير مجلة الحداثة، د. شمس الدين ضو البيت، أن الحراك الأخير يندرج في إطار تنفيذ مقررات الآلية الرباعية. ويقول إن طلب ولي العهد السعودي من الرئيس الأميركي التدخل في الملف السوداني، وموافقة واشنطن على ذلك، شكّلا نقطة انطلاق لتحركات عملية على الأرض.

ويضيف أن الدور الأميركي يتم عبر التنسيق مع دول الرباعية، وليس من خلال تواصل مباشر مع الأطراف السودانية. ويرى أن زيارة أفورقي، ووجود البرهان في الرياض، وتزامن ذلك مع زيارة المبعوث الأميركي، كلها مؤشرات على تحرك منسق لتنفيذ مقررات الرباعية.

ويشير ضو البيت إلى أن زيارة الوفد الإيراني إلى بورتسودان قد تكون، وفق تقديره، رسالة سياسية تهدف إلى الإيحاء بوجود بدائل إقليمية في حال ممارسة ضغوط على السلطة السودانية، مؤكداً في الوقت ذاته أن غياب رؤية سودانية موحدة، وعدم توحد القوى المدنية، يظل من أبرز التحديات أمام أي مسار سياسي.

Share This Article