تتواصل الكارثة الإنسانية في مدينة الفاشر بشمال دارفور، مع تصاعد الانتهاكات ومنع النازحين من مغادرة المدينة، في ظل أوضاع إنسانية وصحية توصف بأنها هي الأسوأ منذ اندلاع الحرب. وقال نازحون إن قوات الدعم السريع منعت مجموعات منهم من العبور إلى منطقة طويلة، وأجبرتهم على العودة إلى المدينة، وسط عمليات نهب وانفلات أمني واسع على الطرق المؤدية إلى مناطق النزوح.
أكد نور الدائم إلياس، المتطوع بغرف طوارئ جبل مرة، استمرار تدفق النازحين من الفاشر نحو طويلة، مشيرًا إلى أن معظمهم يصلون في حالة إنسانية مزرية، يعانون من الجوع، والإصابات الجسدية، وسوء التغذية الحاد.
وأوضح أن الاحتياجات العاجلة تشمل الغذاء، مياه الشرب، مواد الإيواء، والملابس، لافتًا إلى أن الجهود الإنسانية الأممية ما تزال محدودة مقارنة بحجم الكارثة، حيث تبيت مئات الأسر في العراء دون حماية من الأمطار أو الأمراض.
أعلنت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر عن وصول 450 طفلًا غير مصحوبين بذويهم وأكثر من 460 مريضًا ومصابًا إلى منطقة طويلة في الأيام الأخيرة، معظمهم في حالات صحية حرجة.
وأكدت أن الأطفال وصلوا منهكين، جائعين، وبعضهم يحمل إصابات خطيرة نتيجة القصف والعنف المسلح، بينما يعاني آخرون من صدمة نفسية حادة.
من جانبها، قالت منظمة أطباء بلا حدود إن فرقها الميدانية استقبلت حالات سوء تغذية حاد بين الأطفال والمسنين، داعية إلى توسيع نطاق التدخلات الصحية العاجلة.
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن شركاء العمل الإنساني يُمنعون من الوصول إلى مدينة الفاشر، ما يحول دون تقديم المساعدات المنقذة للحياة للمدنيين العالقين داخل المدينة.
وأكد المكتب أن أوضاع آلاف المدنيين ما تزال “مجهولة ومقلقة للغاية”، داعيًا إلى فتح ممرات إنسانية آمنة فورًا بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني.
في المقابل، بثّت قوات الدعم السريع مقطع فيديو قالت فيه إنها أوصلت مواد غذائية إلى الفاشر، بينما طالبت حكومة تأسيس المنظمات الإنسانية بالدخول فورًا لتقديم المساعدات.
غير أن منظمات محلية شككت في هذه الرواية، مشيرة إلى أن القوات لا تزال تمنع التنقل وتحتجز المدنيين داخل المدينة، ما يجعل تلك الادعاءات “بعيدة عن الواقع الإنساني الكارثي على الأرض”.
قالت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية سليمى إسحق إن السلطات وثقت 25 حالة اغتصاب مؤكدة و300 حالة قتل وسط النساء، بعضهن تعرضن للتنكيل والعنف الوحشي.
وأضافت أن 233 امرأة قُتلن في يوم واحد أثناء محاولتهن الفرار، متهمة قوات الدعم السريع بارتكاب “انتهاكات ممنهجة ضد النساء والأسر”.
وفي السياق ذاته، أعلنت شبكة أطباء السودان عن وصول 642 نازحًا من الفاشر إلى الدبة بالولاية الشمالية خلال اليومين الماضيين، حيث أنشأت السلطات معسكرين لإيوائهم وتقديم الدعم الأولي.
أدان السلطان أحمد علي دينار، سلطان دارفور، ما وصفه بـ“الجرائم المروعة ضد المدنيين في الفاشر”، مشيدًا بالتحقيقات العاجلة التي بدأت بها قيادة قوات تأسيس لملاحقة الجناة.
وشهدت مدن عالمية عديدة، منها لندن، لاهاي، باريس، أوسلو، وكمبالا، مظاهرات واسعة السبت الماضي، طالب المشاركون فيها بتدخل دولي عاجل.
تعيش مدينة الفاشر اليوم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخ السودان الحديث، حيث يمنع المدنيون من الفرار، وتتصاعد الانتهاكات وسط عجز دولي عن الوصول إليهم. ومع ازدياد الإدانات والمظاهرات حول العالم، تظل الممرات الإنسانية المغلقة والعزلة المفروضة على المدينة عنوانًا لمأساة إنسانية مستمرة تنتظر تدخلاً حاسمًا من المجتمع الدولي.

