في خطوة جديدة تُبرز تصاعد التوتر بين الحكومة السودانية والمنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني، أعلنت السلطات السودانية طرد اثنين من كبار مسؤولي برنامج الغذاء العالمي، ومنحهما مهلة 72 ساعة لمغادرة البلاد، في وقت يشهد فيه السودان إحدى أسوأ أزمات الغذاء في العالم نتيجة استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.
أبلغت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، مدير مكتب برنامج الغذاء العالمي في السودان لوران بوكيرا، ومديرة قسم العمليات سمانثا كاتراج، بأنهما شخصان غير مرغوب فيهما، وأمهلتهما 72 ساعة لمغادرة الأراضي السودانية.
وأكدت الوزارة في بيانها أن القرار جاء في إطار ما وصفته بـ“حرص الدولة على تطبيق القوانين الدولية واحترام السيادة الوطنية”، مشددة على أن الخطوة لا تعني إنهاء التعاون مع برنامج الغذاء العالمي، بل تهدف إلى تنظيم العلاقة مع المنظمات الدولية ضمن الأطر القانونية والسيادية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت حرج، حيث تتزايد الحاجة إلى المساعدات الغذائية مع استمرار الحرب وتدهور الوضع الإنساني في مناطق واسعة من البلاد.
يأتي القرار في ظل نزاع مسلح مستمر منذ أبريل 2023 تسبب في انهيار اقتصادي واسع النطاق، ونزوح الملايين من المدنيين داخل السودان وخارجه. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 25 مليون سوداني يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في حين تواجه المنظمات الإنسانية عقبات أمنية وإدارية تعيق قدرتها على إيصال المساعدات إلى المناطق الأكثر تضرراً.
وتعد هذه الأزمة من بين الأكبر عالمياً، حيث حذرت وكالات الإغاثة من خطر المجاعة في عدد من الولايات، خاصة دارفور وكردفان والخرطوم، وسط استمرار القتال وتعطل سلاسل الإمداد.
رغم قرار الإبعاد، أكدت الحكومة السودانية التزامها بمواصلة التعاون مع برنامج الغذاء العالمي والجهات الإنسانية الأخرى، موضحة أن الهدف من الإجراء هو ضمان التنسيق وفق سيادة الدولة وليس تعطيل عمل المنظمات.
ويُنظر إلى هذا التوضيح على أنه محاولة لاحتواء ردود الفعل الدولية المحتملة، خصوصاً بعد اتهامات متكررة وجهتها منظمات إنسانية للسلطات السودانية بعرقلة وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة من النزاع.
يأتي القرار ضمن سلسلة من الخلافات المتكررة بين الحكومة السودانية والمنظمات الأممية حول إدارة وتوزيع المساعدات الإنسانية. ومنذ اندلاع الحرب، شددت السلطات على ضرورة خضوع عمليات الإغاثة لإشرافها المباشر، معتبرة أن بعض المنظمات تجاوزت حدود عملها الإنساني.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أن العلاقة بين الحكومة السودانية ووكالات الأمم المتحدة شهدت توترات متكررة خلال العامين الماضيين، خاصة مع تزايد الانتقادات الدولية بشأن أداء الحكومة في ملف المساعدات، واتهاماتها بتقويض الاستجابة الإنسانية في بعض المناطق.
يرى مراقبون أن قرار الطرد قد يزيد من عزلة الحكومة السودانية على الساحة الدولية، ويؤثر سلباً على قدرة برنامج الغذاء العالمي على تنفيذ عملياته في البلاد، خصوصاً في المناطق النائية التي تعتمد بشكل كبير على المساعدات الأممية.
ويحذر محللون من أن استمرار التوتر مع المنظمات الإنسانية قد يفاقم الأزمة الغذائية، ويؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية للسكان، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى دعم دولي منسق لتفادي كارثة إنسانية وشيكة.

