في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية، أعلن بنك السودان المركزي عن تجميد الحسابات المصرفية لـ 39 شخصية عامة، من بينهم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، ووزيرة الخارجية السابقة مريم الصادق المهدي، ورئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، والكاتبة الصحفية رشا عوض رئيسة تحرير صحيفة التغيير.
يأتي القرار، استناداً إلى البلاغ رقم (1613) لسنة 2024 الصادر عن اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني. وشملت القائمة عدداً من القيادات السياسية والمدنية، من بينهم عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان، والقيادي في حزب البعث علي الريح السنهوري، وعضو التجمع الاتحادي بابكر فيصل، والقيادي محمد عصمت يحيى، إلى جانب ياسر عرمان رئيس حزب الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، ووجدي صالح وخالد عمر يوسف وآخرين.
وأشارت مصادر مطلعة إلى أن السلطات تعمل على إعداد قوائم إضافية قد تشمل شخصيات أخرى، كما يجري التحضير لإجراءات قانونية تتضمن إصدار نشرات حمراء عبر الإنتربول بحق بعض الأسماء. وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه السودان تصعيداً سياسياً وأمنياً متزايداً، وسط اتهامات متبادلة بين القوى المدنية والعسكرية بشأن أسباب الأزمة الاقتصادية والانهيار المؤسسي.
من جانبه، وصف عدد من السياسيين والاقتصاديين القرار بأنه إجراء ذو طابع سياسي أكثر من كونه خطوة قانونية. وقال محمد عصمت، أحد الأسماء المشمولة بالقرار، إن الخطوة تفتقر إلى الأساس القانوني وتعبّر عن ما وصفه بـ”تدهور في أداء مؤسسات الدولة”، مضيفاً أن غالبية الأسماء المدرجة في القائمة لم تُوجّه إليها أي اتهامات تتعلق بالفساد المالي أو الإداري.
في المقابل، يرى مراقبون أن القرار يأتي ضمن جهود السلطات لملاحقة المخالفات المالية المحتملة في ظل الحرب الدائرة، خاصة مع تزايد الحديث عن تحويلات مالية خارج النظام المصرفي الرسمي.
بالتزامن مع ذلك، أصدر بنك السودان المركزي قراراً آخر يقضي بحظر 20 شركة من ممارسة نشاط التصدير بسبب إخفاقها في توريد عائدات الصادرات إلى النظام المصرفي الرسمي. ويأتي هذا القرار في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة، حيث فقد الجنيه السوداني نحو 40% من قيمته منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وتفاقم معاناة المواطنين.
تعود جذور الأزمة إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالحكومة المدنية الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك، ما أدى إلى تعطّل المسار الدستوري وتعميق الانقسام بين المكوّنين العسكري والمدني. ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، دخل السودان مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، انعكست بشكل مباشر على النظام المصرفي والقطاع المالي في البلاد.
وبينما يرى البعض أن قرارات بنك السودان تمثل محاولة لتنظيم المشهد المالي في ظل الفوضى الراهنة، يصفها آخرون بأنها أداة سياسية تستخدم في سياق الصراع بين السلطة والمعارضة المدنية، في بلد تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد على نحو غير مسبوق.

