في تطور جديد يعكس استمرار التوتر العسكري في غرب السودان، أعلنت قيادة الفرقة السادسة مشاة التابعة للقوات المسلحة السودانية، اليوم الخميس، عن صد الهجوم رقم 224 الذي تشنه قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، منذ اندلاع الحرب في البلاد منتصف أبريل 2023.
ووفق بيان رسمي صدر عن الفرقة، فإن الهجوم وقع فجر اليوم في المحور الجنوبي الغربي من المدينة، حيث حاولت مجموعات مسلحة من الدعم السريع التسلل إلى مواقع الجيش، لكن القوات المدافعة تمكنت من التصدي الكامل للهجوم، وألحقت بالمهاجمين خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد، وأشار البيان إلى أن قوات الجيش استخدمت تكتيكات دفاعية دقيقة، مكّنتها من إحباط محاولة التقدم والسيطرة، دون أن تكشف عن عدد القتلى أو الإصابات في صفوف العدو أو القوات النظامية.
تُعد مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، واحدة من أشد المدن تضررًا من الحرب المستمرة بين الجيش والدعم السريع، ورغم تمسك الجيش بالسيطرة على المدينة، إلا أن الدعم السريع يواصل شن هجمات شبه يومية تستهدف المحاور الدفاعية ومواقع القيادة والمخازن الحيوية داخل المدينة، وباتت الفاشر اليوم مدينة محاصرة فعليًا، تعاني من انقطاع المياه والكهرباء، وشلل في الخدمات الصحية، فضلًا عن نقص حاد في المواد الغذائية والدوائية، ويعيش آلاف المدنيين في ظروف إنسانية مأساوية، وسط تقارير عن موجات نزوح جديدة إلى أطراف المدينة أو خارج الولاية، في ظل غياب أي ممرات إنسانية آمنة.
يرى مراقبون أن الإعلان عن الهجوم رقم 224 ليس مجرد رقم إحصائي، بل يعكس استراتيجية الاستنزاف التي تتبعها قوات الدعم السريع، بهدف إنهاك قوات الجيش وإجبارها على الانسحاب من المدينة أو التفاوض من موقع ضعف، ويؤكد محللون عسكريون أن الدعم السريع يسعى إلى السيطرة على الفاشر لأسباب استراتيجية، كونها مركزًا حيويًا في شمال دارفور، وتشكل نقطة عبور رئيسية نحو الولايات الأخرى، إضافة إلى رمزية المدينة السياسية والإدارية، لكن في المقابل، يُظهر الجيش تمسكًا واضحًا بالبقاء في المدينة، معتمدًا على تعزيزات مستمرة من القيادة المركزية، ودعم من القوات الجوية التي تشارك بفعالية في صد الهجمات، رغم التحديات اللوجستية وصعوبة الإمداد.
في ظل هذا التصعيد المستمر، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف في معركة لا يعرف أحد متى تنتهي، القصف العشوائي، والانفجارات الليلية، وانعدام الأمن الغذائي، كلها عوامل جعلت الحياة داخل المدينة أقرب إلى الجحيم، بحسب شهادات منظمات إغاثة ومنسقي الشؤون الإنسانية، وقد دعت شخصيات قيادية، من بينها الطاهر حجر، إلى إخلاء الفاشر من المدنيين، واصفًا الوضع بأنه “كارثة تقترب من الانفجار”، لكن الخروج من المدينة ليس خيارًا متاحًا للجميع، في ظل المخاطر الأمنية المحيطة، وغياب الدعم الإنساني الكافي.
في وقت يُعلن فيه الجيش عن “نصر ميداني جديد” بصد الهجوم رقم 224، تظل مدينة الفاشر محاصرة بين نيران طرفين مسلحين، وسكانها تحت رحمة قذائف لا تفرق بين عسكري ومدني، معركة الفاشر أصبحت مرآة مصغّرة لحرب السودان الكبرى: صراع عسكري بلا أفق سياسي، ومعاناة إنسانية لا تجد آذانًا صاغية، ومع استمرار الهجمات، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى تُترك مدينة بكاملها معلّقة على حافة الانهيار؟