أثارت محاكمات وأحكام صدرت مؤخراً بحق عشرات المدنيين في السودان، تراوحت بين الإعدام والسجن لمدد طويلة، نقاشاً واسعاً حول وضع منظومة العدالة في البلاد، في ظل استمرار الحرب منذ أبريل 2023 وما صاحبها من تراجع في أداء مؤسسات الدولة.
وتشهد مدينة بورتسودان، التي تتخذها السلطات مقراً إدارياً، انعقاد محاكمات حضورية وغيابية بحق مدنيين وناشطين سياسيين وصحفيين، من بينهم شخصيات معروفة بمواقفها الداعية إلى وقف الحرب. وتشير منظمات حقوقية إلى أن هذه الإجراءات تتم في سياق سياسي وأمني معقد، ما يطرح تساؤلات حول مدى حياد القضاء وقدرته على العمل بصورة مستقلة عن الصراع القائم.
وبحسب تقارير صادرة عن مجموعات قانونية ومنظمات حقوق إنسان، يتراوح عدد المعتقلين المدنيين في مناطق سيطرة الجيش بين ثلاثة وخمسة آلاف شخص، بينهم سياسيون وناشطون ومتطوعون في مجالات إنسانية وطبية. وتفيد هذه التقارير بأن بعض الاعتقالات تمت على خلفيات سياسية أو اجتماعية، مع فتح دعاوى متعددة دون توفر ضمانات كافية للمحاكمة العادلة.
وخلال الأشهر الماضية، صدرت أحكام بالإعدام والسجن المؤبد وأحكام سالبة للحرية لمدد طويلة، كما وُجهت اتهامات جنائية لعدد من النساء، بينهن قاصرات، بتهم تتعلق بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وهي تهم تنص القوانين السارية على عقوبات مشددة بحقها. وفي المقابل، تؤكد السلطات العدلية أن هذه القضايا تُنظر وفق الأطر القانونية، وتنفي وجود دوافع سياسية وراءها.
ويرى قانونيون أن البيئة التي تُجرى فيها هذه المحاكمات تعاني من اختلالات كبيرة نتيجة الحرب وضعف المؤسسات، الأمر الذي ينعكس سلباً على سير العدالة. كما يحذرون من أن أي تدخلات أمنية أو سياسية في عمل القضاء من شأنها تقويض الثقة في النظام العدلي.
وفي هذا السياق، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء تدهور سيادة القانون في السودان، محذرة من أن انهيار منظومة العدالة ينعكس مباشرة على حماية المدنيين. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بتوثيق انتهاكات تشمل الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري، إضافة إلى صدور أحكام إعدام دون استيفاء معايير المحاكمة العادلة.
كما دعت مذكرات وبيانات صادرة عن محامين وصحفيين وناشطين سياسيين إلى تدخل إقليمي ودولي لمراقبة أوضاع المحاكمات وضمان احترام المعايير القانونية، مشيرين إلى ما وصفوه بتداخل أدوار السلطات العدلية والأمنية في بعض القضايا.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس أزمة أعمق في بنية الدولة السودانية، حيث تتقاطع تداعيات الحرب مع عمل المؤسسات العدلية، في وقت تتزايد فيه المطالب بإصلاحات تضمن استقلال القضاء وحماية حقوق المتهمين، باعتبار ذلك ركناً أساسياً لأي مسار سياسي أو مجتمعي مستقبلي في البلاد.

