تشهد مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور وضعًا إنسانيًا مأساويًا، مع تزايد الوفيات اليومية بين الأطفال والنساء وكبار السن نتيجة الجوع الحاد والحصار العسكري المفروض على المدينة منذ أشهر. وأفادت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر أن الأزمة بلغت مستوى الكارثة، في ظل انعدام تام للمواد الغذائية الأساسية، واختفاء “الأمباز” الذي كان السكان يستخدمونه كبديل غذائي في ظل الندرة المتفاقمة.
وأكدت التنسيقية أن المدينة تعيش تحت حصار مشدد تفرضه قوات الدعم السريع، التي تواصل القصف المدفعي على الأحياء السكنية، ما أدى إلى تدهور الوضع الإنساني بشكل غير مسبوق. وأضاف البيان أن التجويع والقصف أصبحا “أدوات حرب” تُستخدم ضد المدنيين، وسط صمت رسمي ودولي يفاقم المأساة.
وشهدت الفاشر خلال الأيام الماضية تدهورًا حادًا في الوضع الغذائي والصحي، حيث لم تعد الأسواق تحتوي على السلع الأساسية، فيما تفيد تقارير محلية بأن بعض الأسر تعيش على وجبة واحدة كل عدة أيام.
وفي تطور مقلق، كشفت شبكة أطباء السودان عن مقتل الطبيب عمران إسماعيل آدم وإصابة ثلاثة آخرين في قصف استهدف مستوصف أبوقرون بالمدينة. وأوضحت الشبكة أن الطبيب كان من الكوادر الطبية العاملة في ظروف صعبة، مشيرة إلى أن استهدافه تم أثناء وجوده في عيادته، ما يعكس الخطر المتزايد الذي يواجه العاملين في القطاع الصحي.
كما اتهم مدير مشروع المياه وإصحاح البيئة في شمال دارفور قوات الدعم السريع بالوقوف وراء مقتل المهندس الصادق إبراهيم عبد الرحمن، الذي اختُطف أثناء توجهه إلى محلية طويلة قبل أن يُعثر عليه مقتولاً. واعتبر أن الجريمة تمثل “استهدافاً ممنهجاً” للعاملين في القطاعات الحيوية والخدمية، ما يهدد بانهيار الخدمات الأساسية في الإقليم.
أعادت تنسيقية لجان المقاومة بالفاشر التأكيد على أن المدينة تسجل وفيات يومية بسبب الجوع، مؤكدة أن الوضع تجاوز مرحلة الأزمة إلى “الفناء البطيء”. ودعت إلى فتح جسر جوي عاجل لإيصال المساعدات الإنسانية، مشيرة إلى أن تصريحات الأمم المتحدة حول “خطط مقترحة دون تنفيذ” لا توازي حجم الكارثة الميدانية.
في المقابل، أدانت منسقة الشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون، بشدة، الاستهداف المتكرر للمدنيين في شمال دارفور، عقب سلسلة غارات بطائرات مسيّرة على مدينة الفاشر أسفرت عن مقتل 57 مدنياً بينهم 17 طفلاً، وفق تقارير اليونيسف. كما تسببت الهجمات في نزوح نحو 500 شخص، بحسب منظمة الهجرة الدولية.
وأشارت تقارير أممية إلى أن الضربات استهدفت موقعاً للنازحين في حي الدرجة الأولى والمستشفى السعودي، وهو آخر المرافق الطبية العاملة في المدينة، إضافة إلى غارة على منطقة الكومة شرق الفاشر.
وفي رد رسمي، أودعت بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان ورئيس مجلس حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بشأن ما وصفته بـ”الاعتداءات المتكررة على المدنيين والنازحين في الفاشر”.
وطالبت البعثة المجتمع الدولي بالانتقال من مرحلة الإدانة إلى اتخاذ إجراءات عملية ورادعة، مشيرة إلى أن استمرار الصمت الدولي شجع على تكرار الانتهاكات بحق المدنيين في دارفور.
تواصل الفاشر مواجهة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في السودان منذ اندلاع الحرب عام 2023، وسط انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية وانقطاع المساعدات الغذائية والطبية. وبين حصار خانق وقصف متواصل وجوع قاتل، تبدو المدينة على حافة كارثة إنسانية تستدعي تحركاً عاجلاً لإنقاذ من تبقى من سكانها المحاصرين.

