يشهد بنك السودان المركزي أزمة داخلية غير مسبوقة على خلفية قرارات تنظيمية تتعلق بصادرات الذهب، أدت إلى إقالات متتالية في قيادة البنك وأثارت جدلاً واسعاً حول استقلالية السياسة النقدية في البلاد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط من لوبيات الذهب وشركات التصدير التي تمتلك نفوذاً اقتصادياً وسياسياً واسعاً.
تفاقمت الأزمة داخل البنك المركزي بعد إصدار قرارات بحصر شراء وتصدير الذهب عبر البنك المركزي أو من يفوضه، ومنع الشركات الخاصة والتعدين الأهلي من القيام بهذه العمليات مباشرة.
الخطوة التي هدفت إلى ضبط سوق الذهب وتقليص التهريب، واجهت اعتراضاً واسعاً من كبار تجار الذهب وشركات التصدير، ما أدى إلى مواجهة مفتوحة بين البنك المركزي ومجموعات مصالح نافذة داخل الدولة.
وتطور الخلاف إلى تدخل سياسي مباشر انتهى بإقالة المحافظ برعي الصديق علي أحمد بقرار من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، عقب اجتماع جمع ممثلين عن الشركات ووزير المالية. ولم تمضي سوى أسابيع حتى أُقيل نائبه محمد عثمان أحمد محمد خير، في إشارة واضحة إلى تنامي الصراع حول ملف الذهب داخل البنك.
يرى الخبير المصرفي عمر سيد أحمد أن هذه الإقالات المتكررة تمثل دليلاً على تآكل استقلالية البنك المركزي وتحوله إلى أداة سياسية، موضحاً أن البنك فقد دوره كمؤسسة نقدية مستقلة وأصبح يُدار وفق توازنات القوى ومصالح المتنفذين.
وأشار إلى أن هذا النهج أدى إلى فقدان المصداقية المؤسسية وتغيير المحافظين بشكل متكرر، ما جعل البنك يفتقر إلى الاستمرارية والسياسات طويلة المدى. وأضاف أن الصراع حول الذهب — الذي يمثل أكثر من 60% من حصائل الصادرات السودانية — أصبح بؤرة نفوذ اقتصادي تتقاطع فيها مصالح سياسية وأمنية وتجارية.
يقول سيد أحمد إن قرار حصر التصدير عبر البنك المركزي واجه مقاومة شديدة من شبكات التهريب والمستفيدين من الفروقات السعرية في السوق الموازي. وبدلاً من أن يكون القرار خطوة نحو الشفافية، تحول إلى صراع نفوذ بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، انتهى بإقالة المحافظ في أكتوبر 2025.
ويؤكد أن غياب إطار قانوني واضح يحدد صلاحيات البنك ومدة ولاية المحافظ جعل المنصب عرضة للعزل الإداري دون مساءلة، ما أضعف هيبة البنك وعمّق تبعيته للسلطة التنفيذية.
تفاقم الغموض في ملف الذهب بسبب غياب منصة رسمية موحدة لتوثيق بيانات الإنتاج والصادر، إذ تحتفظ الجهات المختلفة — من مصارف وهيئات وشركات تعدين — بأرقامها الخاصة.
هذا التشتت، وفقاً لسيد أحمد، يفتح الباب أمام التلاعب والمضاربات ويضعف المساءلة العامة، خاصة أن التقديرات تشير إلى أن ما بين 50% و80% من الذهب المنتج يُهرّب خارج القنوات الرسمية، مما يؤدي إلى نزيف اقتصادي وفقدان الثقة في النظام المالي.
أوضح الخبير أن الإقالات المتكررة أدت إلى فقدان البنك “ذاكرته المؤسسية”، حيث تتغير السياسات قبل أن تؤتي نتائجها. وهذا الاضطراب يجعل السودان في نظر المؤسسات المالية الدولية دولة عالية المخاطر، ما يؤدي إلى تقييد التحويلات الخارجية وارتفاع كلفتها، فضلاً عن عزوف المستثمرين وتراجع الثقة في البيئة المصرفية.
اقترح سيد أحمد جملة من الإصلاحات لضمان استقلال البنك وشفافية قطاع الذهب، من أبرزها:
- تأسيس سوق منظم للذهب عبر بورصة وطنية ومصفاة محايدة.
- ترخيص مصدرين مؤهلين وفق معايير الامتثال المصرفي.
- تعديل قانون بنك السودان المركزي لتحديد ولاية المحافظ بست سنوات غير قابلة للتجديد.
- إنشاء مجلس للسياسة النقدية يضم خبراء مستقلين ينشر بياناته الدورية بشفافية.
- فصل الدور الرقابي للبنك عن النشاط التجاري للجهات التنفيذية الأخرى.
كما دعا إلى إنشاء منصة إلكترونية لتوثيق إنتاج الذهب وحصائل الصادر، ونشر تقارير شهرية لتعزيز الثقة والشفافية.
يؤكد سيد أحمد أن إقالة المحافظ الأخيرة لم تكن حدثاً معزولاً، بل تعبيراً عن أزمة بنيوية في النظام المالي السوداني، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، وتُدار المؤسسات الكبرى من خلال توازنات نفوذ لا عبر معايير مهنية.
واختتم حديثه بالقول إن استعادة استقلالية البنك المركزي وفصل القرار النقدي عن الصراعات التجارية هي الطريق الوحيد لإنقاذ الاقتصاد السوداني، وإعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي داخلياً وخارجياً.

