أثار قرار والي ولاية نهر النيل بحل لجنة المقاومة الشعبية في الولاية جدلاً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد حالة استنفار عام ودعوات متصاعدة للتعبئة الشعبية لمواجهة قوات الدعم السريع، وسط مخاوف من تعقيد المشهد الأمني والإنساني.
أصدر والي نهر النيل قراراً مفاجئاً بحل لجنة المقاومة الشعبية في الولاية وجميع محلياتها، وإعفاء رؤسائها ومستشاريها، بحجة إعادة تنظيم العمل الإداري والأمني وضبط الأنشطة المجتمعية والسياسية وفقاً للقانون. لكن الوالي تراجع عن القرار بعد ساعات من صدوره، وسط تقارير عن ضغوط مورست عليه من جهات نافذة، من دون توضيح أسباب التراجع رسمياً.
ووفق مصادر محلية، فإن القرار جاء بهدف إعادة ترتيب مكاتب المقاومة الشعبية وتسليم الأصول للمسؤولين الجدد، بما في ذلك المركبات التابعة للمحليات. وتأتي الخطوة استجابةً لدعوة مجلس الأمن والدفاع لفتح معسكرات تدريب داخل الولاية في إطار التعبئة العامة.
من جانب آخر، اعتبر أحد أعضاء المقاومة الشعبية في الولاية أن القرار يعكس “حالة تخبط” في إدارة ملف التعبئة. وأوضح أن دور المقاومة الشعبية يقتصر على الحشد والدعم اللوجستي، وأن التسليح يتم مباشرة عبر القوات المسلحة، مضيفاً أن الأسلحة مسجلة بأرقام متسلسلة وسيتم سحبها بعد انتهاء العمليات أو التوصل إلى اتفاق سلام.
تزامن الجدل مع استمرار تجاهل السلطات في بورتسودان لمقترحات وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، والتي تهدف لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. وتشير تقارير حديثة إلى أن 86% من السودانيين يواجهون صعوبات في تأمين احتياجاتهم الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الجنيه.
وكان مجلس الأمن والدفاع السوداني قد أعلن، الخميس الماضي، التعبئة العامة للقوات المسلحة عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، مؤكداً أن الهدف هو “القضاء على قوات الدعم السريع”. وشدد وزير الدفاع حسن كبرون على استمرار جهود استنهاض المواطنين حتى تحقيق الأهداف العسكرية.
كما أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس حالة الاستنفار الشامل في جميع مؤسسات الدولة وبعثاتها الخارجية، بهدف حشد الموارد البشرية واللوجستية لمواجهة التهديدات. وبدورها أعلنت ولايات الخرطوم والجزيرة والقضارف والشمالية، إضافة إلى إقليم دارفور، التعبئة العامة وشرعت في تجهيز معسكرات تدريب تشمل أسلحة ثقيلة.
أدى الاستنفار إلى بروز تشكيلات مسلحة جديدة ذات طابع قبلي واجتماعي، تموّل نفسها خارج الأطر الرسمية، أبرزها قوات “درع السودان” بقيادة أبو عاقلة كيكل، التي فرض عليها الاتحاد الأوروبي عقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان. وتحظى هذه التشكيلات بدعم مجموعات قبلية وتقدم نفسها كقوات دفاع محلية تستهدف قوات الدعم السريع.
وإلى جانبها ظهرت مجموعات أخرى مثل لواء البراء بن مالك والبنيان المرصوص والفرقان، المرتبطة بالحركة الإسلامية، والتي شاركت سابقاً في الحرب الأهلية الثانية ضمن قوات الدفاع الشعبي.
يرى الخبير العسكري علي الإمام أن التعبئة خطوة “وطنية” تستند إلى لوائح تضمن عدم استغلال المتطوعين، مشيراً إلى أن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع تجعل الحشد ضرورة لتعويض نقص قوات المشاة.
لكن في المقابل، حذّر الباحث في قضايا النزاعات الطيب أحمد من أن التعبئة قد توسّع نطاق الحرب وتزيد الخسائر البشرية وتفاقم الصراعات القبلية. وقال إن عسكرة المجتمع قد تدفع البلاد نحو حرب أهلية شاملة، وإن الحل يكمن في وقف الحرب بدلاً من توسيع نطاق المواجهة.

