الخرطوم تعيد فرض الرسوم الجمركية على سلع الكوميسا وسط جدل اقتصادي وإقليمي

3 Min Read

أعلنت وزارة الصناعة والتجارة السودانية عن إلغاء الإعفاءات الجمركية الممنوحة للسلع المستوردة من دول السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا “الكوميسا”، ابتداءً من الأول من نوفمبر 2025، في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والتجارية، لما تمثله من تحول مفاجئ عن سياسة استمرت لسنوات ضمن إطار التكامل الإقليمي الإفريقي.

بحسب المحلل الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي، جاء القرار نتيجة ضغوط اقتصادية خانقة دفعت الحكومة إلى مراجعة سياساتها الجمركية في محاولة لتعزيز الإيرادات العامة. وأوضح فتحي أن الإجراء يمثل خرقًا لاتفاقية الكوميسا التي تضمن حرية تبادل السلع بين الدول الأعضاء دون رسوم جمركية، محذرًا من إمكانية تقديم بعض الدول شكاوى رسمية ضد السودان.
وأشار إلى أن الإعفاءات السابقة تسببت في فقدان خزينة الدولة لمصدر مهم من الدخل، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة نقد أجنبي وتضخم متصاعد وعجز مالي كبير.

من بين دوافع القرار، بحسب فتحي، رغبة الحكومة في حماية الصناعة الوطنية والزراعة المحلية من المنافسة غير المتكافئة، إذ كانت السلع القادمة من كينيا وأوغندا ودول أخرى تدخل الأسواق السودانية بأسعار منخفضة بفضل الإعفاءات، مما أضعف فرص المنتجات المحلية. وأضاف أن القرار الجديد قد يمنح المصانع الوطنية متنفسًا لإعادة ترتيب أوضاعها وتحسين قدرتها التنافسية.

وأوضح فتحي أن الميزان التجاري بين السودان ودول الكوميسا يعاني من اختلال واضح، حيث تفوق الواردات بشكل كبير الصادرات، التي تقتصر غالبًا على منتجات أولية مثل الصمغ العربي والسمسم والثروة الحيوانية. هذا الخلل، وفقاً له، دفع الحكومة إلى إعادة النظر في جدوى الاستمرار بالسياسات السابقة دون عائد فعلي على الاقتصاد الوطني.

ويرى مراقبون أن القرار يحمل آثارًا مزدوجة؛ فمن جهة، يمكن أن يرفع من الإيرادات الجمركية ويحد من نزيف العملة الأجنبية، ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة من دول الكوميسا، مما يزيد أعباء المعيشة على المواطنين في ظل موجة تضخم مرتفعة أصلًا.

ورغم إعلان الحكومة أن القرار تم بالتنسيق مع الأمانة العامة للكوميسا، حذّر الخبراء من أن الخطوة قد تخلق توترات مع بعض الدول الأعضاء وتضعف مصداقية الاتفاقية كمشروع للتكامل الاقتصادي الإفريقي. وأكد فتحي أن السودان يواجه معضلة بين الالتزامات الإقليمية طويلة الأجل ومتطلبات الإنقاذ الاقتصادي قصيرة المدى.

تأسست الكوميسا في عام 1981 كمنطقة تجارة تفضيلية، وتطورت لتصبح سوقًا مشتركة تضم اليوم 21 دولة إفريقية، من بينها السودان الذي انضم في أغسطس 1990. ورغم مشاركته الطويلة، يرى خبراء أن الخرطوم لم تحقق مكاسب اقتصادية ملموسة من عضويتها، إذ ظلت أسواقها مفتوحة أمام واردات الدول الأعضاء دون تحقيق طفرة تصديرية مقابلة.

يُنظر إلى القرار الأخير على أنه محاولة من الحكومة السودانية لإعادة ضبط علاقاتها التجارية وفق أولويات داخلية تركز على تعزيز الإيرادات وحماية الإنتاج المحلي، إلا أن نجاح هذه الخطوة سيعتمد على قدرة السلطات على تحقيق توازن بين المصالح الوطنية ومتطلبات التعاون الاقتصادي الإقليمي.

Share This Article